فصل: 1380- باب مَا جَاءَ فِي دَوَاءِ ذَاتِ الْجَنْب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


1373- باب ما جَاءَ في أَخْذِ الأَجْرِ على التّعْوِيذ

2082- حَدّثنا هَنّادٌ، حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ عن جَعْفَرِ بنِ إِيَاسٍ عن أَبِي نَضْرَةَ عن أَبِي سَعِيد الخدري قال‏:‏ ‏"‏بَعَثنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في سَرِيّةٍ فَنَزَلنَا بِقَوْمٍ فَسَأَلنَاهُمْ القِرَى فلم يَقْرُونَا، فَلُدِغَ سَيّدُهُم فَأَتَوْنَا فقالُوا‏:‏ هَلْ فِيكُم مَنْ يَرْقِي مِنَ العَقْرَبِ‏؟‏ قلت‏:‏ نَعَم أَنَا، وَلَكِنْ لاَ أَرْقِيِه حتى تُعْطُونَا غَنَماً، قالُوا‏:‏ فَإِنّا نُعْطِيكُمْ ثَلاَثِينَ شَاةً فَقَبِلْنَا، فَقَرَأْتُ عَلَيِه الْحَمْدَ لله سَبْعَ مَرّاتٍ فَبَرأَ وقَبَضْنَا الغَنَم‏.‏ قَالَ‏:‏ فَعَرَضَ في أَنْفُسِنَا مِنْهَا شَيْءٌ، فَقُلْنَا لاَ تَعْجَلُوا حتى تَأْتُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قالَ‏:‏ فَلَمّا قَدِمْنَا عَلَيْهِ ذَكَرْتُ لَهُ الذي صَنَعْتُ، قالَ‏:‏ وَمَا عَلِمْتَ أَنّهَا رُقَيْةٌ‏؟‏ اقْبِضُوا الغَنَمَ وَاضْرِبُوا لي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏

وأبو نَضْرَةَ اسْمُهُ المُنْذِرُ بنُ مَالِكِ بنِ قُطَعَةَ‏.‏ ورَخّصَ الشّافِعِيّ لِلمُعَلّمِ أَنْ يَأْخُذَ على تَعْلِيمِ القُرْآنِ أَجْراً، ويُرَى لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ على ذلكَ، وَاحْتَجّ بهذا الحَدِيثِ وجَعفر بن إِياس هو جعفر بن أبي وحشية وهو أبو بشرٍ‏.‏ ورَوَى شُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةَ وهِشَامِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عن أَبِي بشْر هذا الحديث عن أَبِي المُتَوَكّلِ عن أَبِي سَعِيدٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

2083- حدّثنا أَبُو مُوسَى محمدُ بنُ المُثَنّى، حدثني عَبْدُ الصّمَدِ بنُ عَبْدِ الوَارِثِ، أخبرنا شُعْبَةُ حدثنا أَبُو بِشْرٍ قالَ‏:‏ سَمِعْتُ أَبَا المُتَوَكّلِ يُحَدّثُ عن أَبِي سَعِيدٍ ‏"‏أَنّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مَرّوا بِحَيّ مِنَ العَرَبِ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ وَلَمْ يُضَيّفُوهُمْ، فاشْتَكَى سَيّدُهُمْ فَأَتَوْنَا فَقَالُوا‏:‏ هِلْ عِنْدَكُمْ دَوَاءٌ‏؟‏ قُلْنَا‏:‏ نَعَمْ وَلَكِنّ لم تَقْروُنَا ولَمْ تُضَيّفُونَا فَلاَ نَفْعَلُ حتى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً، فَجَعَلُوا على ذلكَ قَطِيعاً مِنْ غَنَمٍ، قال فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنّا يَقْرَأُ عليِه بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ فَبَرَأَ، فَلَمّا أَتَيْنَا النبيّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرْنَا ذلكَ لَهُ، قالَ‏:‏ ‏"‏وَمَا يُدْريِكَ أَنّهَا رُقْيَةٌ‏؟‏ وَلَمْ يَذْكُرْ نَهْياً مِنْهُ، وقالَ‏:‏ كُلُوا وَاضْرِبُوا لي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ صحيحٌ‏.‏ وهذا أصَحّ مِنْ حَدِيثِ الأَعْمَشِ عن جَعْفَرِ بنِ إِياسٍ‏.‏ وهكذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدِ هذا الْحَدِيثَ عن أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بنِ أَبِي وَحْشِيّةّ عن أَبِي المُتَوَكّلِ عن أَبِي سَعِيدٍ‏.‏

وَجَعْفَرُ بنُ إِيَاسٍ هُوَ جَعْفَرُ بنُ أَبِي وَحْشِيّةّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن جعفر بن إياس‏)‏ كنيته أبو بشر بن أبي وحشية، بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة وتثقيل التحتانية، ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعفه شعبة في حبيب بن سالم‏.‏ وفي مجاهد‏:‏ من الخامسة ‏(‏عن أبي نضرة‏)‏ هو العبدي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فنزلنا بقوم‏)‏ وفي رواية عند الدارقطني بعث سرية عليها أبو سعيد، وفي رواية الأعمش عند غير الترمذي‏:‏ بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين رجلاً فنزلنا بقوم ليلاً، فأفادت عدد السرية ووقت النزول‏.‏ كما أفادت رواية الدارقطني تعيين أمير السرية ‏(‏فسألناهم القرى‏)‏ بكسر القاف مقصوراً الضيافة ‏(‏فلم يقرونا‏)‏ أي فلم يضيفونا‏.‏ قال في القاموس‏:‏ قرى الضيف قرى بالكسر والفتح والمد أضافخ كاقتراه ‏(‏فلدغ سيدهم‏)‏ بضم اللام على البناء للمفعول، واللدغ بالدال المهملة والغين المعجمة، وهو اللسع وزناً ومعنى، وأما اللذع بالذال المعجمة والعين المهملة فهو الإحراق الخفيف، واللدغ المذكور في الحديث هو ضرب ذات الحمة من حية أو عقرب وغيرهما، وأكثر ما يستعمل في العقرب‏.‏ وقد أفادت رواية الترمذي هذه تعيين العقرب‏.‏

فإن قلت‏:‏ عند النسائي من رواية هشيم أنه مصاب في عقله أو لديغ‏.‏

قلت‏:‏ هذا شك من هشيم، ورواه الباقون أنه لديغ ولم يشكوا، خصوصاً تصريح الأعمش بالعقرب‏.‏

فإن قلت‏:‏ جاء في رواية أبي داود والنسائي والترمذي من طريق خارجة بن الصلت عن عمه أنه مرّ بقوم وعندهم رجل مجنون موثق في الحديد‏.‏ فقالوا إنك جئت من عند هذا الرجل بخير فارْق لنا هذا الرجل، وفي لفظ عن خارجة بن الصلت عن عمه يعني علاقة بن صحار‏:‏ أنه رقي مجنوناً موثقاً بالحديد بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام كل بوم مرتين فبرأ، فأعطوني مائتي شاة‏.‏ فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏خذهما ولعمري من أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق‏.‏‏"‏

قلت‏:‏ هما قضيتان لأن الراقي هناك أبو سعيد وهنا علاقة بن صحار وبينهما اختلاف كثير ‏(‏فأتونا‏)‏ أي فجاؤونا ‏(‏فقالوا هل فيكم من يرقى من العقرب‏؟‏‏)‏ قال في القاموس‏:‏ رقاه رقياً ورقياً نفث في عوذته، وقال فيه العوذة الرقية كالمعاذة والتعويذ انتهى‏.‏ وفي رواية للبخاري‏:‏ فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء‏.‏ فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه فهل عند أحد منكم من شيء ‏(‏فقرأت عليه الحمد سبع مرات‏)‏ وفي رواية للبخاري‏:‏ فانطلق يتفل عليه ويقرأ الحمد لله رب العالمين‏.‏

قال الحافظ‏:‏ يتفل بضم الفاء وبكسرها وهو نفخ معه قليل بزاق‏.‏ قال ابن أبي حمزة محل التفل في الرقية يكون بعد القراءة لتحصيل بركة القراءة في الجوارح التي يمر عليها الريق فتحصل البركة في الريق الذي يتفله ‏(‏فبرأ‏)‏‏.‏ وفي رواية للبخاري‏:‏ فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة ‏(‏وما علمت أنها رقية‏)‏‏:‏ أي كيف علمت‏.‏ وفي رواية البخاري‏:‏ وما يدريك أنها رقية ‏(‏واضربوا لي معكم بسهم‏)‏ أي اجعلوا لي منه نصيباً، وكأنه أراد المبالغة في تأنيسهم كما وقع له في قصة الحمار الوحشي وغير ذلك‏.‏ وفي الحديث جواز الرقية بشيء من كتاب الله تعالى، ويلحق به ما كان من الدعوات المأثورة، أو مما يشابهها، ولا يجوز بألفاظ مما لا يعلم معناها، من الألفاظ الغير العربية‏.‏

قال ابن القيم‏:‏ إذا ثبت أن لبعض الكلام خواص ومنافع، فما الظن بكلام رب العالمين ثم بالفاتحة التي لم ينزل في القرآن ولا غيره من الكتب مثلها لتضمنها جميع معاني الكتاب، فقد اشتملت على ذكر أصول أسماء الله ومجامعها، وإثبات المعاد وذكر التوحيد، والافتقار إلى الرب في طلب الإعانة به والهداية منه، وذكر أفضل الدعاء وهو طلب الهداية إلى صراطه المستقيم المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته بفعل ما أمر به واجتناب ما نهي عنه والاستقامة عليه، ولتضمنها ذكر أصناف الخلائق وقسمتهم إلى منعم عليه لمعرفته بالحق والعمل به ومغضوب عليه لعدوله عن الحق بعد معرفته وشال لعدم معرفته له، مع ما تضمنه من إثبات القدر والشرع والأسماء والصفات والمعاد والتوبة، وتزكية النفس وإصلاح القلب، والرد على جميع أهل البدع، وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من كل داء، انتهى ملخصاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة ‏(‏ورخص الشافعي للمعلم أن يأخذ على تعليم القرآن أجراً‏)‏، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وآخرون من السلف ومن بعدهم، ومنعه أبو حنيفة وأجازه في الرقية، قاله النووي في شرح مسلم‏.‏ وقال الحافظ‏:‏ قد نقل عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة إلا الحنفية انتهى‏.‏

قلت‏:‏ وقد أجاز المتأخرون من الحنفية أيضاً أخذ الأجرة على تعليم القرآن ويرى أن يعتد الشافعي ‏(‏له‏)‏ أي يجوز للمعلم ‏(‏أن يشترط‏)‏ أي أخذ الأجرة ‏(‏على ذلك‏)‏ أي على تعلم القرآن وقوله‏:‏ ‏(‏واحتج بهذا الحديث‏)‏ الاحتجاج بهذا الحديث على جواز أخذ الأجرة على الرقية واضح، وأما الاحتجاج به على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن فاعترض عليه القرطبي حيث قال‏:‏ لا نسلم أن جواز أخذ الأجر في الرقي يدل على جواز التعليم بالأجر انتهى‏.‏ لم يذكر القرطبي سند للمنع ولا يظهر وجه صحيح لعدم التسليم والله تعالى أعلم‏.‏ وقد استدل للجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن‏.‏ في حديث سهل بن سعد رواه الشيخان وهذا لفظ البخاري‏.‏ وفي رواية لمسلم‏:‏ اذهب فقد زوجتكها فعلمها من القرآن‏.‏

واستدل للجمهور أيضاً بحديث ابن عباس‏:‏ إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله رواه البخاري‏.‏

قال الحافظ‏:‏ استدل به للجمهور في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وخالف الحنفية فمنعوه في التعليم وأجازوه في الرقي كالدواء، قالوا لأن تعليم القرآن عبادة والأجر فيه على الله وهو القياس في الرقى، إلا أنهم أجازوه فيها لهذا الخبر، وحمل بعضهم الأجر في هذا الحديث على الثواب، وسياق للقصة التي في الحديث يأبى هذا التأويل، وادعى بعضهم نسخه بالأحاديث الواردة في الزعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن‏.‏ وقد رواها أبو داود وغيره، وتعقب بأنه إثبات للنسخ بالاحتمال وهو مردود وبأن الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل، لتوافق الأحاديث الصحيحة كحديثي الباب ‏(‏يعني حديث ابن عباس المتقدم آنفاً، وحديث أبي سعيد المذكور في هذا الباب‏)‏ وبأن الأحاديث المذكورة أيضاً ليس فيها ما تقوم به الحجة فلا تعارض الأحاديث الصحيحة انتهى كلام الحافظ‏.‏

وقال الشوكاني في النيل‏:‏ استدل الجمهور بحديث ابن عباس على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وأجيب عن ذلك بأن المراد بالأجر هنا الثواب، ويرد بأن سياق القصة يأبى ذلك، وادعى بعضهم نسخه الأحاديث السابقة، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال وبأن الأحاديث القاضية بالمنع وقائع أعيان محتملة للتأويل لتوافق الأحاديث الصحيحة كحديثي الباب وبأنها مما لا تقوم به الحجة فلا تقوى على معارضة ما في الصحيح، وقد عرفت مما سلف أنها تنتهض للاحتجاج بها على المطلوب والجمع ممكن إما بحمل الأجر المذكور هنا على الثواب كما سلف وفيه ما تقدم، أو المراد أخذ الأجر على الرقية فقط كما يشعر به السياق فيكون مخصصاً للأحاديث القاضية بالمنع، أو يحمل الإجر هنا على عمومه فيشمل الأجر على الرقية والتلاوة والتعليم، ويخص أخذها على التعليم بالأحاديث المتقدمة ويجوز ما عداه، وهذا أظهر وجوه الجمع فينبغي المصير إليه انتهى‏.‏

قلت‏:‏ الروايات التي تدل على منع أخذ الأجرة على تعليم القرآن ضعاف لا تصلح للاحتجاج، ولو سلم أنها بمجموعها تنتهض للاحتجاج، فالأحاديث التي تدل على الجواز أصح منها وأقوى، ثم إن هذه الروايات وقائع أحوال محتملة للتأويل، كما قال الحافظ، فلا حاجة إلى ما ذكره الشوكاني من وجوه الجمع‏.‏ هذا ما عندي والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مروا بحي من العرب‏)‏ إعلم أن طبقات أنساب العرب ست‏:‏ الشعب بفتح الشين‏:‏ وهو النسب الأبعد، كعدنان مثلاً وهو أبو القبائل الذين ينسبون إليه ويجمع على شعوب، والقبيلة‏:‏ وهي ما انقسم به الشعب كربيعة ومضر، والعمارة بكسر العين‏:‏ وهي ما انقسم فيه أنساب القبيلة كقريش وكنانة ويجمع على عمارات وعمائر، والبطن‏.‏ وهي ما انقسم فيه أنساب العمارة كبني عبد مناف وبني مخزوم ويجمع على بطون وأبطن، والفخد‏:‏ وهي ما انقسم فيه أنساب البطن كبني هاشم وبني أمية ويجمع على أفخاذ، والفصيلة بالصاد المهملة‏:‏ وهي ما انقسم فيه أنساب الفخد كبني العباس‏.‏ وأكثر ما يدور على الألسنة من الطبقات القبيلة ثم البطن، وربما عبر عن كل واحد من الطبقات الست بالحي، إما على العموم مثل أن يقال حي من العرب وإما على الخصوص مثل أن يقال حي من بني فلان‏.‏ وقال الهمداني في الأنساب‏:‏ الشعب والحي بمعنى ‏(‏حتى تجعلوا لنا جعلاً‏)‏ بضم الجيم وسكون المهملة ما يعطى على عمل ‏(‏فجعلوا على ذلك قطيعاً من غنم‏)‏ قال ابن التين‏:‏ القطيع الطائفة من الغنم، وتعقب بأن القطيع هو الشيء المتقطع من غنم كان أو غيرها، وقال بعضهم إن الغالب استعماله فيما بين العشرة والأربعين، ووقع في رواية الأعمش‏:‏ فإنا نعطيكم ثلاثين شاة‏.‏ وهو مناسب لعدد السرية كما تقدم وكأنهم اعتبروا عددهم فجعلوا الجعل بإزائه ‏(‏وما يدريك‏)‏ هي كلمة تقال عند التعجب من الشيء وتستعمل في تعظيم الشيء أيضاً وهو لائق هنا، قاله الحافظ‏.‏ وفي رواية بعد قوله‏:‏ وما يدريك أنها رقية‏؟‏ قلت‏:‏ ألقي في روعي والدارقطني‏:‏ فقلت يا رسول الله شيء ألقي في روعي ‏(‏ولم يذكر نهياً منه‏)‏ أي من النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهذا‏)‏ أي حديث شعبة عن أبي بشر عن أبي المتوكل عن أبي سعيد ‏(‏أصح من حديث الأعمش عن جعفر بن إياس‏)‏ قال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام الترمذي هذا‏.‏ وقال ابن ماجة إنها يعني طريق شعبة الصواب، ورجحها الدارقطني في العلل ولم يرجح في السنن شيئاً وكذا النسائي، والذي يترجح في نقدي أن الطريقين محفوظان لاشتمال طريق الأعمش على زيادات في المتن ليست في رواية شعبة ومن تابعه فكأنه كان عند أبي بشر عن شيخين فحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا، ولم يصب ابن العربي في دعواه أن هذا الحديث مضطرب، فقد رواه عن أبي سعيد أيضاً معبد بن سيرين، كما سيأتي في فضائل القرآن، وسليمان بن قتة كما أخرجه أحمد والدارقطني انتهى‏.‏

1374- باب ما جاَءَ في الرّقَى وَالأَدْوِيَة

2084- حَدّثنا ابنُ أَبِي عُمَرَ، حدثنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ، عن أَبِي خِزَامَةَ عن أَبِيِه قالَ‏:‏ ‏"‏سَأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقلت‏:‏ يا رسولَ الله أَرَأَيْتَ رُقَى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً نَتّقِيهَا، هل تَرُدّ مِدنْ قَدَرِ الله شَيْئاً‏؟‏ قالَ‏:‏ هِيَ مِنْ قَدَرِ الله‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

2085- حدّثنا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرحمنِ، حدثنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن ابنِ أَبِي خِزَامَةَ عن أَبِيِه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏‏.‏ وقد رُوِيَ عن ابنِ عُيَيْنَةَ كِلاَ الرّوَايَتَيْنِ، وقالَ بَعْضُهُمْ عن أَبِي خِزَامَةَ عن أَبِيِه، وقالَ بَعْضُهُمْ عن ابنِ أَبِي خِزَامَةَ عن أَبِيِه وقالَ بعضهم عن أَبِي خزامة وقد روى غير ابنِ عيينة هذا الحَديثَ عن الزّهْرِيّ عن أَبِي خِزَامَةَ عن أَبِيِه وَهذَا أَصَحّ، ولا نَعْرِفُ لأَبي خِزَامَةَ عن أَبِيِه غَيْرَ هذا الْحَدِيثِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي خزامة عن أبيه‏)‏ اسمه يعمر‏.‏ قال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة‏:‏ يعمر السعدي سعد هذيم والد أبي خزامة أنه قال‏:‏ أرأيت دواء نتداوى به أو رقي نسترقي بها هل يرد ذلك من قدر الله انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أرأيت رقي نسترقيها إلخ‏)‏ يأتي هذا الحديث في باب‏:‏ لا ترد الرقى والدواء من قدر الله شيئاً من أبواب القدر‏.‏ ويأتي هناك شرحه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن ابن أبي خزامة‏)‏ مجهول كما في التقريب وغيره ‏(‏وقد روى عن ابن عيينة كلتا الروايتين‏)‏ يعني عن أبي خزامة عن أبيه وابن أبي خزامة عن أبيه‏.‏

1375- باب ما جاءَ في الكَمْأَة والعَجْوَة

الكمأة بفتح الكاف وسكون الميم بعدهما همزة مفتوحة، قال الخطابي‏:‏ وفي العامة من لا يهمزه، واحدة الكمأة بفتح ثم سكون ثم همزة مثل تمرة وتمر‏.‏ وعكس ابن الأعرابي فقال الكمأة الجمع والكمأ الواحد على غير قياس، قال‏:‏ ولم يقع في كلامهم نظير هذا سوى خبأة وخبء، وقيل الكمأة قد تطلق على الواحد وعلى الجمع وقد جمعوها على أكمؤ‏.‏ قال الشاعر‏:‏

ولقد جنيتك أكمؤاً وعساقلاً ***

والعساقل بمهملتين وقاف ولام الشراب، وكأنه أشار إلى أن الأكمؤ محل وجدانها الفلوات، والكمأة نبات لا ورق لها ولا ساق توجد في الأرض من غير أن تزرع، والعرب تسمى الكمأة أيضاً نبات الرعد لأنها تكثر بكثرته ثم تنفطر عنها الأرض وهي كثيرة بأرض العرب وتوجد بالشام ومصر، فأجودها ما كانت أرضه رملة قليلة الماء، ومنها صنف قتال يضرب لونه إلى الحمرة وهي باردة رطبة في الثانية رديئة للمعدة بطيئة الهضم، وإدمان أكلها يورث القولنج والسكتة والفالج وعسر البول، والرطب منها أقل ضرراً من اليابس، وإذا دفنت في الطين الرطب ثم سلقت بالماء والملح والسعتر وأكلت بالزيت والتوابل الحارة، قل ضررها، ومع ذلك ففيها جوهر مائي لطيف بدليل خفتها، فلذلك كان ماؤها شفاء للعين كذا في الفتح‏.‏ ويقال للكمأة بالفارسية سماروغ كهمبي‏.‏ والعجوة بفتح العين وسكون الجيم نوع من التمر الجياد بالمدينة المنورة

2086- حَدّثنا أَبُو عُبَيْدَةَ أحمد بن عَبْدِ الله الهمداني وهو ابن أَبِي السّفَرِ و محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، قالا‏:‏ حدثنا سَعِيدُ بنُ عَامِرٍ، عن محمدِ بنِ عَمْرٍو، عن أَبِي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ‏:‏ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏العَجْوَةُ مِنَ الْجَنّةِ، وفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السّمّ‏.‏ والكَمأَةُ مِنَ المَنّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلعَيْنِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَجَابرٍ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ وهو مِنْ حَدِيثِ محمدِ بنِ عمرٍو ولا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ محمد بن عمرٍو إلا من حديث سعيد بن عامر‏.‏

2087- حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حدثنا عُمَرُ بنُ عُبَيْدٍ الطّنَافِسيّ، عن عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ، وحدثنا محمدُ بنُ المُثَنّى، حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شُعْبَةُ عن عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عن عَمْرو بنِ حُرَيْثٍ عن سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏الكَمأَةُ مِنَ المَنّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلعَيْنِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

2088- حدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ، حدثنا أَبِي عن قَتَادَةَ عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ‏:‏ ‏"‏أَنّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالُوا‏:‏ الكمْأَةُ جُدَرِيّ الأرضِ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الكَمأَةُ مِنَ المَنّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلعَيْنِ، والعَجْوَةُ مِنَ الْجَنّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنَ السّمّ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏

2089- حدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا مُعَاذٌ، حدثني أَبِي عنْ قَتَادَةَ قالَ‏:‏ ‏"‏حُدّثْتُ أَنّ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ‏:‏ أَخَذْتُ ثَلاَثَةَ أَكْمُؤٍ أَوْ خَمْساً أَو سَبْعاً فَعَصَرْتُهُنّ فَجَعَلْتُ مَاءَهُنّ في قَارُورَةٍ فَكَحَلْتُ بِه جَارِيَةً لِي فَبَرَأَتْ‏"‏‏.‏

2090- حدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا مُعَاذٌ بنُ هِشَامٍ، حدثنا أَبِي عن قَتَادَةَ قالَ‏:‏ ‏"‏حُدّثْتُ أَنّ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ‏:‏ الشّونِيزُ دَوَاءٌ مِنْ كُلّ دَاءِ إِلاّ السّامَ‏.‏ قالَ قَتَادَةُ‏:‏ يأْخُذُ كُلّ يَوْمٍ إِحْدى وَعِشْرِينَ حَبّةً فَيَجْعَلُهُنّ في خِرْقَةٍ فَيَنْقَعُهُ فَيَسْتَعِطْ بِه كُلّ يَوْمٍ في مَنْخَرِهِ الأَيْمَنِ قَطْرَتَيْنِ وَالأَيْسَرِ قَطْرَة، والثّانِي فِي الأَيْسَرِ قَطْرَتَيْنِ وفي الأَيْمَنِ قَطْرَةً، والثّالِثُ في الأَيْمَنِ قَطْرَتَيْنِ وَفِي الأَيْسِرِ قَطْرَةً‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا سعيد بن عامر‏)‏ هو الضبعي أبو محمد البصري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏العجوة‏)‏ هي نوع من تمر المدينة يضرب إلى السواد من غرس للنبي صلى الله عليه وسلم كذا في النهاية ‏(‏من الجنة‏)‏‏.‏ قال المناوي‏:‏ يعني هذه العجوة تشبه عجوة الجنة في الشكل والاسم لا في اللذة والطعم انتهى‏.‏ والمقصود بيان فضل العجوة على سائر أنواع التمر لأنها من أنفع تمر الحجاز على الإطلاق، وهو صنف كريم ملذذ متين للجسم والقوة من ألين التمر وأطيبه وألذه ‏(‏وفيها شفاء من السم‏)‏ إما لخاصة هذا النوع أو ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم ‏(‏والكمأة من المن‏)‏‏.‏ قال النووي‏:‏ اختلف في معناه، فقال أبو عبيد وكثيرون شبهها بالمن الذي كان ينزل على بني إسرائيل لأنه كان يحصل لهم بلا كلفة ولا علاج، والكمأة تحصل بلا علاج ولا كلفة ولا زرع بزر ولا سقي ولا غيره، وقيل هي من المن الذي أنزل الله تعالى على بني إسرائيل حقيقة عملاً بظاهر اللفظ انتهى ‏(‏وماؤها شفاء للعين‏)‏‏:‏ أي شفاء لداء العين، في شرح مسلم للنووي‏.‏ قيل هو نفس الماء مجرداً‏.‏ وقيل معناه أن يخلط ماؤها بدواء ويعالج به العين، وقيل إن كان لتبريد ما في العين من حرارة فماؤها مجرداً شفاء، وإن كان لغير ذلك فمركب مع غيره، والصحيح بل الصواب أن ماءها مجرداً شفاء للعين مطلقاً‏.‏ فيعصر ماؤها ويجعل في العين منه‏.‏ وقد رأيت أنا وغيري في زمننا من كان عمي وذهب بصره حقيقة، فكحل عينه بماء الكمأة مجرداً فشفي وعاد إليه بصره، وهو الشيخ العدل الأمين الكمال بن عبد الله الدمشقي صاحب صلاح ورواية للحديث، وكان استعماله لماء الكمأة اعتقاداً في الحديث وتبركاً به انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن سعيد بن زيد وأبي سعيد وجابر‏)‏ أما حديث سعيد ابن زيد فأخرجه الترمذي بعد هذا‏.‏ وأما حديث أبي سعيد وحديث جابر فأخرجهما أحمد والنسائي وابن ماجة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أحمد وابن ماجة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد الملك بن عمير‏)‏ هو اللخمي الكوفي ‏(‏عن عمرو بن حريث‏)‏ ابن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي، صحابي صغير، مات سنة خمس وثمانين ‏(‏عن سعيد بن زيد‏)‏ قال في الخلاصة‏:‏ سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة والمهاجرين الأولين، شهد المشاهد كلها بعد بدر، وذكره البخاري فيمن شهد بدراً في الصحيح، وقال الأكثرون لم يشهدها، له ثمانية وثلاثون حديثاً اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بآخر، وعنه عمرو بن حريث وعروة وأبو عثمان النهدي، تخلف عن بدر فضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهم‏.‏ روى ذلك من طرق‏.‏ قال خليفة مات سنة إحدى وخمسين‏.‏ قال الواقدي بالعقيق فحمل إلى المدينة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري في التفسير والطب، وأخرجه مسلم في الأطعمة، والنسائي في الطب والوليمة والتفسير، وابن ماجة في الطب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قالوا الكمأة جدري الأرض‏)‏ بضم جيم وفتح دال وكسر راء وتشديد ياء هو حب يظهر في جسد الصبي من فضلات تتضمن المضرة تدفعها الطبيعة ويقال له بالهندية جيجك‏.‏ قال الطيبي‏:‏ شبهوها به في كونها فضلات تدفعها الأرض إلى ظاهرها ذماً لها ‏(‏فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين‏)‏‏.‏ قال الطيبي‏:‏ كأنهم لما ذموها وجعلوها من الفضلات التي تتضمن المضرة وتدفعها الأرض إلى ظاهرها، كما تدفع الطبيعة الفضلات بالجدري، قابله صلى الله عليه وسلم بالمدح بأنه من المن أي مما منّ الله به عباده، أو شبهها بالمن وهو العسل الذي ينزل من السماء، إذ يحصل بلا علاج واحتياج إلى بذر وسقي، أي ليست بفضلات، بل من فضل الله ومنه، أو ليست مضرة بل شفاء كالمن النازل انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏‏.‏ وأخرجه ابن ماجة والطبراني، من طريق ابن المنكدر عن جابر قال‏:‏ كثرت الكمأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فامتنع قوم من أكلها وقالوا هي جدري الأرض، فبلغه ذلك فقال‏:‏ إن الكمأة ليست من جدري الأرض لا إن الكمأة من المن‏.‏ كذا في الفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثت‏)‏ بصيغة المتكلم المجهول من الحديث فيه انقطاع ‏(‏أخذت ثلاثة أكمؤ‏)‏ بفتح فسكون فضم ميم فهمز أي ثلاثة أشخص منها ‏(‏أو خمساً أو سبعاً‏)‏ كذا في بعض النسخ بالألف وهو الظاهر، ووقع في النسخة الأحمدية أو خمس أو سبع بغير الْالف، ولا يظهر له وجه إلا بالتكلف فتفكر ‏(‏فعصرتهن‏)‏‏:‏ أي في وعاء ‏(‏فبرأت‏)‏ بفتح الراء ويكسر أي شفيت‏.‏ وحديث أبي هريرة هذا موقوف وفيه انقطاع‏.‏

‏(‏الشونيز‏)‏ بضم المعجمة وسكون الواو وكسر النون وسكون التحتانية بعدها زاي وقال القرطبي‏:‏ قيد بعض مشائخنا الشين بالفتح‏.‏ وحكى عياض عن ابن الأعرابي أنه كسرها فأبدل الواو ياء فقال‏:‏ الشينيز كذا في الفتح‏.‏ وقال في القاموس‏:‏ الشينيز والشونوز والشونيز والشهنيز الحبة السوداء أو فارسي الأصل انتهى‏.‏ ويقال له بالهندية كلونحي ‏(‏دواء من كل داء‏)‏ قيل أي من كل داء من الرطوبة والبلغم وذلك لأنه حار يابس فينفع في الأمراض التي تقابله فهو من العام المخصوص، وقيل هو على عمومه أنه يدخل في كل داء بالتركيب‏.‏ قال الكرماني‏:‏ وممّا يدل على تعيين العموم الاستثناء بقوله ‏(‏إلا السام‏)‏ بسين مهملة ثم ألف وميم مخففة أي الموت فإنه لا دواء له، وهذا أيضاً موقوف وفيه انقطاع ‏(‏قال قتادة‏)‏ أي في كيفية استعمال الشونيز ‏(‏فينقعه‏)‏ أي فيلقيه في الماء ليبتل ‏(‏فيستعط به‏)‏ قال في القاموس‏:‏ سعطه الدواء كمنعه ونصره وأسعطه إياه سعطة واحدة وإسعاطة واحدة أدخله في أنفه فاستعط انتهى ‏(‏في منخره الأيمن‏)‏ في القاموس المنخر بفتح الميم والخاء وبكسرهما وضمهما وكمجلس ثقب الأنف ‏(‏والثاني‏)‏ أي اليوم الثاني ‏(‏والثالث‏)‏ أي اليوم الثالث‏.‏ وقول قتادة‏:‏ هذا ليس من مجرد رأيه بل ورد فيه حديث مرفوع، وقد أشار إليه الترمذي في باب الحبة السوداء، وذكرنا لفظه هناك‏.‏

1376- باب ماَ جَاءَ في أَجْرِ الكاهِن

2091- حَدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا الّليْثُ عن ابنِ شِهَابٍ عن أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرحمنِ عن أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَاري قالَ‏:‏ ‏"‏نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن ثَمَنِ الكَلْبِ، ومَهْرِ البَغيّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب الخ‏)‏ قد تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه مع شرحه في باب كراهية مهر البغي من أبواب النكاح وفي باب ثمن الكلب من أبواب البيوع‏.‏

1377- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ التّعْلِيق

2092- حَدّثنا محمدُ بنُ مَدّويِه، حدثنا عُبَيْدُ الله بن موسى عن محمد بن عبد الرحمن بنِ أَبِي لَيْلَى عن عيسَى وهُوَ ابنُ عَبْدِ الرحمنِ بنِ أَبِي لَيْلَى قالَ‏:‏ ‏"‏دَخَلْتُ على عَبْدِ الله بنِ عُكَيْمٍ أَبِي مَعْبَدٍ الْجُهَنِيّ أَعُودُهُ وبه حُمْرَةٌ، فَقلت‏:‏ أَلاَ تُعَلّقُ شَيْئاً‏؟‏ قالَ‏:‏ المَوْتُ أَقْرَبُ مِنْ ذلكَ، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ مَنْ تَعَلّقَ شَيْئاً وُكِلَ إِلَيْهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وحديثُ عَبْدِ الله بنِ عُكَيْمٍ إِنَما نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ محمد بن عبد الرحمن بن أَبِي لَيْلَى وعبد الله بن عكيم لم يسمع من النبيّ صلى الله عليه وسلم وكان في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول كتب الينا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

2093- حدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، عن ابنِ أَبِي لَيْلَى نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبيد الله‏)‏ هو ابن موسى العبسي مولاهم الكوفي ‏(‏عن ابن أبي ليلى‏)‏ هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري أخو عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ‏(‏عن عيسى وهو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى‏)‏ الأنصاري الكوفي ثقة من السادسة، روى عن أبيه وعبد الله بن حكيم وغيرهما وعنه أخوه محمد وغيره كذا في التقريب وتهذيب التهذيب ‏(‏على عبد الله بن عكيم‏)‏ بالتصغير ‏(‏أبي معبد الجهني‏)‏ الكوفي مخضرم من الثانية، وقد سمع كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى جهينه مات في إمرة الحجاج، كذا في التقريب ‏(‏وبه‏)‏ أي بعبد الله والباء للإلصاق ‏(‏حمرة‏)‏ أي مما يعلو الوجه والجسد، قاله القاري‏.‏ وقال في القاموس‏:‏ الحمرة ورم من جنس الطواعين ‏(‏ألا تعلق شيئاً‏)‏ بحذف إحدى التاءين أي ألا تتعلق شيئاً، قال في القاموس‏:‏ علقه تعليقاً جعله معلقاً لتعلقه انتهى‏.‏ وفي المشكاة‏:‏ ألا تعلق تميمة ‏(‏قال الموت أقرب من ذلك‏)‏‏.‏ وفي المشكاة فقال‏:‏ نعوذ بالله من ذلك‏.‏ قال القاري‏:‏ وسببه أنه نوع من الشرك‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ ولعله إنما عاذ بالله من تعليق العوذة لأنه كان من المتوكلين وإن جاز لغيره انتهى ‏(‏من تعلق شيئاً‏)‏ أي من علق على نفسه شيئاً من التعاويذ والتمائم وأشباهها معتقداً أنها تجلب إليه نفعاً أو تدفع عنه ضراً، قاله في النهاية ‏(‏وكل إليه‏)‏ بضم واو وتخفيف كاف مكسورة أي خلي إلى ذلك الشيء وترك بينه وبينه‏.‏ والحديث استدل به من قال بكراهية تعليق التمائم‏.‏ وقد اختلف في ذلك أهل العلم‏.‏

قال السيد الشيخ أبو الطيب صديق بن حسن القنوجي في كتابه الدين الخالص‏:‏ اختلف العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم في جواز تعليق التمائم التي من القرآن، وأسماء الله تعالى وصفاته، فقالت طائفة‏:‏ يجوز ذلك، وهو قول ابن عمرو بن العاص، وهو ظاهر ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية، وحملوا الحديث ‏(‏يعني حديث ابن مسعود قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الرقى والتمائم اللتولة شرك‏)‏ رواه أحمد وابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال صحيح، وأقره الذهبي على التمائم التي فيها شرك‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ لا يجوز ذلك وبه قال ابن مسعود وابن عباس وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم، وبه قال جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه‏.‏ وجزم به المتأخرون واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه‏.‏ قال بعض العلماء‏:‏ وهذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل‏.‏ الأول عموم النهي ولا مخصص للعموم‏.‏ الثاني، سد الذريعة فإن يفضي إلى تعليق من ليس كذلك‏.‏ الثالث أنه إذا علق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك‏.‏ قال وتأمل هذه الأحاديث وما كان عليه السلف يتبين لك بذلك غربة الإسلام، خصوصاً إن عرفت عظيم ما وقع فيه الكثير بعد القرون المفضلة من تعظيم القبور واتخاذها المساجد، والإقبال إليها بالقلب والوجه، وصرف الدعوات والرغبات والرهبات وأنواع العبادات التي هي حق الله تعالى إليها من دونه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله‏}‏، ونظائرها في القرآن أكثر من أن تحصر انتهى‏.‏

قلت‏:‏ غربة الإسلام شيء وحكم المسألة شيء آخر، والوجه الثالث المتقدم لمنع التعليق ضعيف جداً لأنه لا مانع من نزع التمائم عند قضاء الحاجة ونحوها لساعة ثم يعلقها‏.‏ والراجح في الباب أن ترك التعليق أفضل في كل حال بالنسبة إلى التعليق الذي جوزه بعض أهل العلم بناء على أن يكون بما ثبت لا بما لم يثبت لأن التقوى لها مراتب وكذا في الإخلاص، وفوق كل رتبة في الدين رتبة أخرى والمحصلون لها أقل، ولهذا ورد في الحديث في حق السبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب أنهم هم الذين لا يرقون ولا يسترقون مع أن الرقى جائزة وردت بها الأخبار والآثار والله أعلم بالصواب‏.‏ والمتقي من يترك ما ليس به بأس خوفاً مما فيه بأس‏.‏ انتهى كلامه بلفظه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وحديث عبد الله بن عكيم إنما نعرفه من حديث ابن أبي ليلى‏)‏، وأخرجه أحمد وأبو داود والحاكم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عقبة بن عامر‏)‏ أخرجه أحمد وأبو بعلي والطبراني عنه، قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له‏.‏ قال في مجمع الزوائد‏:‏ رجالهم ثقات‏.‏

1378- باب مَا جَاءَ في تَبْرِيدِ الحُمّى بِالمَاء

2094- حَدّثنا هَنّادٌ، أخبرنا أَبُو الأَحْوَصِ عن سَعِيدِ بنِ مَسْرُوقٍ عن عَبَايَةَ بنِ رِفَاعَةَ، عن جَدّهِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏الْحُمّى فَوْرٌ مِنَ النّارِ فَابْرُدُوهَا بِالمَاءِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبّاسٍ، وَامْرَأَةِ الزّبَيْرِ وَعَائِشَةَ‏.‏

2095- حدّثنا هَارُونُ بنُ إِسْحَاقَ الهَمَدَانِيّ، أخبرنا عَبْدَةُ بنُ سُلَيْمَانَ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أَبِيِه عن عَائِشَةَ‏:‏ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏إِنّ الْحُمّى مِنْ فَيْحِ جَهَنّمَ فَابْرُدُوهَا بِالمَاءِ‏"‏‏.‏

2096- حدّثنا هَارُونُ بنُ إِسْحَاقَ، حدثنا عَبْدَةُ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي حديثِ أَسْمَاءَ كَلاَمٌ أَكْثَرُ مِنْ هذا، وَكِلاَ الْحَدِيثَيْنِ صحيحٌ‏.‏

2097- حَدّثنا محمدُ بْن بَشّارٍ، حدثنا أَبو عَامِرٍ العَقَدِيّ، حدثنا إِبْرَاهيمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ بنِ أَبِي حَبِيبَةَ، عن دَاوُدَ بنِ حُصَيْنٍ، عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ ‏"‏أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعَلّمُهُمْ مِنَ الْحُمّى وَمِنَ الأَوْجَاعِ كُلّهَا أَنْ يَقُولَ‏:‏ بِسمِ الله الكَبِيِر، أَعُوذُ بِالله العَظيِمِ مِنْ شَرّ كُلّ عِرْقٍ نَعّارٍ، وَمِنْ شَرّ حَرّ النّارِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حديثِ إِبْرَاهيِمَ بنِ إِسماعيلَ بنِ أَبِي حَبِيبَةَ‏.‏ وإِبْراهيمُ يُضَعّفُ في الْحَدِيثِ، وَيُروَى‏:‏ عِرْقٍ يَعّارٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أبو الأحوص‏)‏ اسمه سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي، ‏(‏عن سعيد بن مسروق‏)‏ هو والد سفيان الثوري ‏(‏هو عباية‏)‏ بفتح أوله والموحدة الخفيفة وبعد الألف تحتانية خفيفة ‏(‏بن رفاعة‏)‏ بكسر راء وخفة فاء وإهمال عين، ابن رافع بن خديج الأنصاري الزرقي كنيته أبو رفاعة، المدني ثقة من الثالثة ‏(‏عن جده رافع بن خديج‏)‏ بفتح معجمة وكسر دال مهملة وبجيم ابن رافع بن عدى الأوسي الأنصاري صحابي جليل، أول مشاهده أحد ثم الخندق، روى عنه ابنه عبد الرحمن وابنه رفاعة على خلاف فيه، وحفيده عباية بن رفاعة وغيرهم، كذا في التقريب وتهذيب التهذيب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الحمى فور من النار‏)‏ بفتح الفاء وسكون الواو وبالراء، وفي رواية‏:‏ الحمى من فيح جهنم بفتح الفاء وسكون التحتانية بعدها مهملة، وفي أخرى‏:‏ من فوح بالواو بدل التحتانية‏.‏

قال الحافظ‏:‏ كلها بمعنى والمراد سطوع حرها ووهجه‏.‏ واختلف في نسبة الحمى إلى جهنم، فقيل حقيقة واللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنم، وقدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنة أظهرها في هذه الدار عبرة ودلالة وقد جاء في حديث أخرجه البزار من حديث عائشة بسند حسن وفي الباب عن أبي أمامة عند أحمد وعن أبي ريحانة عند الطبراني، وعن ابن مسعود في مسند الشهاب‏:‏ الحمى حظ المؤمن من النار، وهذا كما تقدم في حديث الأمر بالإبراد أن شدة الحر من فيح جهنم، وأن الله أذن لها بنفسين‏.‏ وقيل بل الخبر ورد مورد التشبيه‏.‏ والمعنى أن حر الحمى شبيه بحر جهنم تنبيهاً للنفوس على شدة حر النار، وأن هذه الحرارة الشديدة شبيهة بفيحها، وهو ما يصيب من قرب منها من حرها كما قيل بذلك في حديث الإبراد والأول أولى انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأبردوها‏)‏ قال الحافظ‏:‏ المشهور في ضبطها بهمزة وصل والراء مضمومة، وحكى كسرها، يقال‏:‏ بردت الحمى أبردها برداً بوزن قتلتها أقتلها قتلاً أي اسكنت حرارتها‏.‏ قال شاعر الحماسة‏:‏

إذا وجدت لهيب الحب في كبدي أقبلت نحو سقاء القوم أبترد

هبني بردت ببرد الماء ظاهره فمن لنار على الأحشاء تتقد

وحكى عياض رواية بهمزة قطع مفتوحة وكسر الراء من أبرد الشيء إذا عالجة فصيره بارداً مثل أسخنه إذا صيره سخناً، وقد أشار إليها الخطابي، وقال الجوهري‏:‏ إنها لغة رديئة انتهى‏.‏ ووقع في حديث ابن عمر في رواية فأطفئوها بهمزة قطع ثم طاء مهملة وفاء مكسورة ثم همزة أمر، من الإطفاء‏.‏ ‏(‏بالماء‏)‏ قال الخطابي ومن تبعه‏:‏ اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث بأن قال اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك لأنه يجمع المسام ويحقن البخار ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم فيكون ذلك سبباً للتلف، قال الخطابي غلط بعض من ينسب إلى العلم فانغمس في الماء لما أصابته الحمى فاحتقنت الحرارة في باطن بدنه فأصابته علة صعبة كادت تهلكه، فلما خرج من علته قال قولاً سيئاً لا يحسن ذكره، وإنما أوقعه في ذلك جهله بمعنى الحديث‏.‏ والجواب‏:‏ أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرتاب في صدق الخبر، فيقال له أولاً من أين حملت الأمر على الاغتسال وليس في الحديث الصحيح بيان الكيفية فضلاً عن اختصاصها بالغسل، وإنما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء فإن أظهر الوجود أو اقتضت صناعة الطب أن إنغماس كل محموم في الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو المراد، وإنما قصد صلى الله عليه وسلم استعمال الماء على وجه ينفع فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل الانتفاع به، وهو كما وقع في أمره العائن بالاغتسال وأطلق، وقد ظهر من الحديث الاَخر أنه لم يرد مطلق الاغتسال وإنما أراد الاغتسال على كيفية مخصوصة، وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى ما صنعته أسماء بنت الصديق فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئاً من الماء بين يديه وثوبه فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها، والصحابي ولا سيما مثل أسماء التي هي ممن كان يلازم بيت النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالمراد من غيرها‏.‏

قلت‏:‏ يأتي لفظ حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها في هذا الباب‏.‏ وقال المازري‏:‏ لا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجاً إلى التفصيل حتى إن المريض يكون الشيء دواءه في ساعة ثم يصير داء له في الساعة التي تليها لعارض يعرض له من غضب يحمي مزاجه مثلاً فيتغير علاجه ومثل ذلك كثير‏.‏ فإذا فرض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالة ما لم يلزم منه وجود الشفاء به له أو لغيره في سائر الأحوال‏.‏ والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغذاء المتقدم والتأثير المألوف وقوة الطباع، ثم ذكر نحو ما تقدم‏.‏ قالوا وعلى تقدير أن يرد التصريح بالاغتسال في جميع الجسد فيجاب بأنه يحتمل أن يكون أراد أنه يقع بعد إقلاع الحمى وهو بعيد‏.‏ ويحتمل أن يكون في وقت مخصوص بعدد مخصوص فيكون من الخواص التي اطلع صلى الله عليه وسلم عليها بالوحي، ويضمحل عند ذلك جميع كلام أهل الطب‏.‏ وقد أخرج الترمذي من حديث ثوبان مرفوعاً‏:‏ إذا أصاب أحدكم الحمى فإن الحمى قطعة من النار فليطفئها عنه بالماء فليستنفع في نهر جار فليستقبل جريته الحديث، وفيه وليغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ في ثلاث فخمس، فإن لم يبرأ في خمس فسبع، فإن لم يبرأ في سبع فتسع فإنها لا تكاد تجاوز تسعاً بإذن الله‏.‏ قال ويحتمل أن يكون لبعض الحميات دون بعض في بعض الأماكن دون بعض، لبعض الأشخاص دون بعض، وهذا أوجه، فإن خطابه صلى الله عليه وسلم قد يكون عاماً وهو الأكثر، وقد يكون خاصاً كما قال‏:‏ لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولكن شرقوا أو غربوا، فقوله‏:‏ شرقوا أو غربوا ليس عاماً لجميع أهل الأرض بل هو خاص لمن كان بالمدينة النبوية وعلى سمتها فكذلك هذا يحتمل أن يكون مخصوصاً بأهل الحجاز وما والاهم إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من العرضية الحادثة عن شدة الحرارة وهذه ينفعها الماء البارد شرباً واغتسالاً، لأن الحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق إلى جميع البدن، وهي قسمان عرضية‏:‏ وهي الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس أو القيظ الشديد ونحو ذلك، ومرضية‏:‏ وهي ثلاثة أنواع وتكون عن مادة ثم منها ما يسخن جميع البدن، فإن كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حمى يوم لأنها تقع غالباً في يوم ونهايتها إلى ثلاث، وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية فهي حمى دق وهي أخطرها، وإن كان تعلقها بالأخلاط سميت عفنية وهي بعدد الأخلاط الأربعة‏.‏ وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الإفراد والتركيب‏.‏ وإذا تقرر هذا فيجوز أن يكون المراد النوع الأول فإنها تسكن بالانغماس في الماء البارد وشرب الماء المبرد بالثلج وبغيره، ولا يحتاج صاحبها إلى علاج آخر‏.‏ وقد قال جالينوس في كتاب حيلة البرء‏:‏ لو أن شاباً حسن اللحم خصب البدن ليس في أحشائه ورم استحم بماء بارد أو سبح فيه وقت القيظ عند منتهى الحمى لإنتفع بذلك‏.‏ وقال أبو بكر الرازي‏:‏ إذا كانت القوى قوية والحمى حادة والنضج بين ولا ورم في الجوف ولا فتق فإن الماء البارد ينفع شربه، فإن كان العليل خصب البدن والزمان حار أو كان معتاداً باستعمال الماء البارد اغتسالاً فليؤذن له فيه‏.‏ وقد نزل ابن القيم حديث ثوبان على هذه القيود، فقال هذه الصفة تنفع في فصل الصيف في البلاد الحارة في الحمى العرضية أو الغب الخالصة التي لا ورم معها ولا شيء من الأعراض الرديئة والمواد الفاسدة فيطفئها بإذن الله، فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمس ووفور القوى في ذلك الوقت لكونه عقب النوم والسكون وبرد الهواء‏.‏ قال‏:‏ والأيام التي أشار إليها هي التي يقع فيها بحران الأمراض الحادة غالباً ولا سيما في البلاد الحارة‏.‏

تنبيه‏:‏

قال ابن القيم قوله بالماء فيه قولان أحدهما أنه كل ماء وهو الصحيح، والثاني أنه ماء زمزم، واحتج أصحاب هذا القول بما رواه البخاري في صحيحه عن أبي جمرة نضر بن عمران الضبعي قال‏:‏ كنت أجالس ابن عباس بمكة فأخذتني الحمى فقال إبردها عنك بماء زمزم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء أو قال بماء زمزم، راوي هذا قد شك فيه ولو جزم به لكان أمراً لأهل مكة بماء زمزم إذ هو متيسر عندهم ولغيرهم بما عندهم من الماء‏.‏ ثم اختلف من قال إنه على عمومه هل المراد به الصدقة بالماء أو استعماله على قولين، والصحيح أنه استعماله، وأظن أن الذي حمل من قال المراد الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى ولم يفهم وجهه، مع أن لقوله وجهاً حسناً وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أخمد لهيب العطش عن الظمآن بالماء البارد أخمد الله لهيب الحمى عنه جزاء وفاقا‏.‏ ولكن يؤخذ هذا من فقه الحديث وإشارته، وأما المراد به فاستعماله انتهى‏.‏‏.‏

وحديث رافع بن خديج هذا أخرجه أيضاً أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر وابن عمر وابن عباس وامرأة الزبير وعائشة‏)‏ أما حديث أسماء فأخرجه الترمذي في هذا الباب‏.‏ وأما حديث ابن عمر فأخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة‏.‏ وأما حديث ابن عباس فأخرجه البخاري وقد تقدم لفظه‏.‏ وأما حديث إمرأة الزبير فلينظر من أخرجه‏.‏ وأما حديث عائشة فأخرجه الترمذي بعد هذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبدة بن سليمان‏)‏ هو الكلابي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن الحمى من فيح جهنم‏)‏ الفيح سطوع الحر وفورانه ويقال بالواو، وفاحت القدر تفيح وتفوح إذا غلت كذا في النهاية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن فاطمة بنت المنذر‏)‏ بن الزبير بن العوام الأسدية، زوجة هشام بن عروة روت عن جدتها أسماء بنت أبي بكر وغيرها، وعنها زوجها هشام بن عروة وغيره، ثقة من الثالثة، كذا في التقريب وتهذيب التهذيب ‏(‏عن أسماء بنت أبي بكر‏)‏ الصديق، زوج الزبير بن العوام وكانت تسمى ذات النطاقين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي حديث أسماء كلام أكثر من هذا‏)‏ روى الشيخان عن فاطمة عن أسماء هذا الحديث مطولاً ولفظه عند مسلم‏:‏ أنها كانت تؤتى بالمرأة الموعوكة فتدعو بالماء فتصبه في جيبها وتقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابردوها بالماء، وقال إنها من فيح جهنم‏.‏ فأشار الترمذي بقوله‏:‏ وفي حديث أسماء كلام أكثر من هذا إلى ما في هذا الحديث من الزيادة ‏(‏وكلا الحديثين صحيح‏)‏ أخرجهما الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة‏)‏ الأنصاري الأشهلي مولاهم أبو إسماعيل المدني ضعيف من السابعة ‏(‏عن داود بن حصين‏)‏ الأموي مولاهم أبو سليمان المدني ثقة إلا في عكرمة، ورمى برأي الخوارج من السادسة كذا في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان يعلمهم من الحمى‏)‏ أي من أجلها ‏(‏أن يقول‏)‏ أي المريض أو عائده ‏(‏من شر كل عرق‏)‏ بكسر فسكون منوناً ‏(‏نعار‏)‏ بفتح النون وتشديد العين المهملة أي فوار الدم يقال نعر العرق ينعر بالفتح فيهما إذا فار منه الدم استعاذ منه لأنه إذا غلب لم يمهل‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ نعر العرق بالدم إذا ارتفع وعلا، وجرح نعار ونعور إذا صوت دمه عند خروجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجة وابن أبي الدنيا وابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم وصححه والبيهقي في الدعوات كذا في المرقاة ‏(‏ويروي عرق يعار‏)‏ رواه ابن ماجة ضبط يعار في النسخة الأحمدية بفتح التحتية وتشديد العين المهملة ومعناه صوات‏.‏ قال الجزري في النهاية‏:‏ يقال يعرت العنز يتعر بالكسر يعار بالضم أي صاحت انتهى‏.‏ وأما قول بعض الناس يعار بضم الياء التحتية وفتح العين وتشديد الراء من العرارة وهي الشدة وسوء الخلق ومنه إذا استعر عليكم شيء من الغنم أي ند واستعصى، وأما يعار فلم تجد له في كتب اللغة معنى يناسب هذا المقام انتهى فمما لا يلتفت إليه‏.‏

1379- باب ما جَاءَ في الْغِيلَة

قال الجزري في النهاية‏:‏ الغيلة بالكسر الاسم من الغيل بالفتح، وهو أن يجامع الرجل زوجته وهي مرضع، وكذلك إذا حملت وهي مرضع، وقيل يقال فيه الغيلة والغيلة بمعنى، وقيل الكسر للاسم والفتح للمرة، وقيل لا يصح الفتح إلا مع حذف الهاء، وقد أغال الرجل وأغيل والولد مغال ومغيل، واللبن الذي يشر به الولد يقال له الغيل أيضاً انتهى

2098- حَدّثنا أَحمدُ بِنُ مَنِيعٍ، أخبرنا يَحْيَى بنُ إِسْحَاقَ، أخبرنا يَحْيَىَ بنُ أَيّوبَ، عن محمدِ بنِ عَبْدِ الرّحْمنِ بنِ نَوْفَلٍ، عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ عن ابنة وَهْبٍ وَهِيَ جُدَامَةُ، قالَتْ‏:‏ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ‏:‏ ‏"‏أَرَدْتُ أَنْ أَنْهَى عن الْغِيالِ فإِذَا فَارِسُ والرّومُ يَفْعَلُونَ وَلاَ يَقْتُلُونَ أَوْلاَدَهُمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وقد رَوَاهُ مَالِكٌ عن أَبِي الأَسْوَدِ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ عن جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

قالَ مَالِكٌ‏:‏ وَالْغِيَالُ أَنْ يَطَأَ الرّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ‏.‏

2099- حدّثنا عِيسَى بنُ أَحمدَ، حدثنا ابنُ وَهْبٍ، حدثني مَالِكُ عن أَبِي الأَسْوَدِ محمدِ بنِ عَبْدِ الرّحْمنِ بنِ نَوْفَلٍ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ عن جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الأَسَدِيّةِ‏:‏ أَنّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ‏:‏ ‏"‏لَقَدْ هَمِمْتُ أَنْ أَنْهَى عن الْغِيلَةِ حتّى ذُكّرْتُ أَنّ فَارِسَ وَالرّومَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلاَ يَضُرّ أَوْلاَدَهُمْ‏"‏‏.‏

قالَ مَالِكَ‏:‏ وَالْغِيلَةُ أَنْ يَمَسّ الرّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ‏.‏

قالَ عيسَى بنُ أَحمدَ، وحدثنا إِسْحَاقُ بنُ عِيسَى، حدثني مَالِكٌ عن أَبِي الأَسْوَدِ نَحْوَهُ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غَريبٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا يحيى بن إسحاق‏)‏ هو البجلي أبو زكريا السيلحيني ‏(‏حدثنا يحيى بن أيوب‏)‏ هو الغافقي المصري ‏(‏عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل‏)‏ الأسدي المدني يتيم عروة ثقة من السادسة ‏(‏عن عائشة‏)‏ أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ‏(‏عن بنت وهب وهي جدامة‏)‏ بمضمومة ودال مهملة‏.‏ قال في التقريب‏:‏ جدامة بنت وهب ويقال جندل الأسدية أخت عكاشة بن محصن لأمه، صحابية لها سابقة وهجرة‏.‏ قال الدارقطني‏:‏ من قالها بالذال المعجمة صحف انتهى‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب في ترجمتها‏:‏ روت عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الغيلة‏.‏ روت عنها عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أردت أن انهي عن الغيال‏)‏ بكسر الغين المعجمة وفي الرواية الاَتية الغيلة‏.‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ قال أهل اللغة‏:‏ الغيلة ههنا بكسر الغين ويقال لها الغيل بفتح الغين مع حذف الهاء والغيال بكسر الغين‏.‏ وقال جماعة من أهل اللغة‏:‏ الغيلة بالفتح المرة الواحدة وأما بالكسر فهي الاسم من الغيل‏.‏ وقيل إن أريد بها وطء المرضع جاء الغيلة والغيلة بالكسر والفتح‏.‏ واختلف العلماء في المراد بالغيلة في هذا الحديث وهي الغيل، فقال مالك في الموطأ والأصمعي وغيره من أهل اللغة هي أن يجامع امرأته وهي مرضع يقال منه أغال الرجل وأغيل أذا فعل ذلك‏.‏ وقال ابن السكيت هو أن ترضع المرأة وهي حامل، يقال منه غالت وأغليت‏.‏ قال العلماء‏:‏ سبب همه صلى الله عليه وسلم بالنهي عنها أنه يخاف منه ضرر الولد الرضيع، قالوا والأطباء يقولون إن ذلك اللبن داء والعرب تكرهه وتتقيه ‏(‏فإذا فارس‏)‏ بكسر الراء وعدم الصرف ‏(‏يفعلون‏)‏ أي الغيال ‏(‏ولا يقتلون أولادهم‏)‏ وفي الرواية الاَتية‏:‏ ولا يضر أولادهم‏.‏ قال القاضي‏:‏ كان العرب يحترزون عن الغيلة ويزعمون أنها تضر الولد وكان ذلك من المشهورات الذائعة عندهم فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهي عنها لذلك، فرأى أن فارس والروم يفعلون ذلك ولا يبالون به ثم إنه لا يعود على أولادهم بضرر فلم ينه انتهى‏.‏ قال النووي‏:‏ في الحديث جواز الغيلة فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها وبين سبب ترك النهي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أسماء بنت يزيد‏)‏ أخرجه أبو داود عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ لا تقتلوا أولادكم سراً، فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه، وسكت عنه هو المنذري وأخرجه أيضاً ابن ماجة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه مالك وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة ‏(‏وقد رواه مالك عن أبي الأسود‏)‏ اسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عيسى بن أحمد‏)‏ بن عيسى بن وردان العسقلاني من عسقلان بلخ ثقة يقرب من الحادية عشرة ‏(‏حدثنا ابن وهب‏)‏ هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه ثقة حافظ عابد من التاسعة ‏(‏عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل‏)‏ ووقع في النسخة الأحمدية عن أبي الأسود‏:‏ ومحمد بن عبد الرحمن بن نوفل بزيادة الواو بين أبي الأسود ومحمد بن عبد الرحمن وهو غلط‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لقد هممت‏)‏ أي قصدت ‏(‏حتى ذكرت‏)‏ بصيغة المجهول ‏(‏يصنعون ذلك‏)‏ أي الغيلة ‏(‏ولا يضر أولادهم‏)‏ بالنصب على المفعولية‏.‏ وفي حديث جدامة هذا دليل على جواز الغيلة، وحديث أسماء بنت يزيد المذكور يدل على المنع‏.‏ واختلف العلماء في وجه الجمع بينهما‏.‏ فقال الطيبي‏:‏ نفيه لأثر الغيل في الحديث السابق يعني حديث جدامة كان إبطالاً لاعتقاد الجاهلية كونه مؤثراً وإثباته له هنايعني في حديث أسماء لأنه سبب في الجملة مع كون المؤثر الحقيقي هو الله تعالى انتهى‏.‏ وقيل النهي في قوله لا تقتلوا أولادكم سراً في حديث أسماء للتنزيه، ويحمل قوله لقد هممت أن أنهي في حديث جدامة على التحريم فلا منافاة‏.‏ وقال السندي‏:‏ حديث أسماء يحتمل أنه قال على زعم العرب قبل حديث جدامة ثم علم أنه لا يضر فأذن به كما في رواية جدامة وهذا بعيد، لأن مفاد حديث جدامة أنه أراد النهي ولم ينه، وحديث أسماء فيه نهي فكيف يكون حديث أسماء قبل حديث جدامة‏.‏ وأيضاً لو كان على زعم العرب لما استحسن القسم بالله كما عند ابن ماجة، فالأقرب أنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه بعد حديث جدامة حيث حقق أنه لا يضر إلا أن الضرر قد يخفي إلى الكبر انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا إسحاق بن عيسى‏)‏ بن نجيح البغدادي أبو يعقوب بن الطباع سكن أذنه، صدوق من التاسعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه مالك وأحمد وغيرهما كما تقدم‏.‏

1380- باب مَا جَاءَ فِي دَوَاءِ ذَاتِ الْجَنْب

2100- حَدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ، حدثني أَبِي عن قَتَادَةَ عن أَبِي عَبْدِ الله عن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ‏:‏ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَنْعَتُ الزّيْتَ وَالْوَرْسَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ‏.‏ قالَ قَتَادَةُ‏:‏ ‏"‏وَيَلُدّهُ مِنَ الْجَانِبِ الّذِي يَشْتَكِيِه‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وَأَبو عَبْدِ الله اسْمُهُ مَيْمُونٌ هُوَ شَيْخٌ بَصْرِيٌ‏.‏

2101- حدّثنا رَجَاءُ بنُ محمدٍ العُذْرِيّ الْبَصْرِيّ، حدثنا عَمْرُو بنُ محمدِ بن أَبِي رَزِينٍ، حدثنا شُعْبَةُ عن خَالِدٍ الْحَذّاءِ، حدثنا مَيْمُونٌ أَبُو عَبْدِ الله قالَ‏:‏ سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ أَرْقَمَ قالَ‏:‏ ‏"‏أَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ نَتَدَاوَى مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بالقُسْطِ الْبَحْرِيّ وَالزّيْتِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غَريبٌ صحيحٌ‏.‏ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونٍ عن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ‏.‏ وقد رَوَى عن مَيْمُونٍ غَيْرُ وَاحِدٍ هذَا الحَدِيثَ‏.‏

وَذَاتُ الْجَنْبِ‏:‏ يَعْنِي السّلّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان ينعت الزيت والورس من ذات الجنب‏)‏ أي يمدح التداوي بهما لذات الجنب‏.‏ قال أبو حنيفة اللغوي‏:‏ الورس يزرع زرعاً وليس ببري ولست أعرفه بغير أرض العرب لا من أرض العرب بغير بلاد اليمن وقوته في الحرارة واليبوسة في أول الدرجة الثانية وأجوده الأحمر اللين القليل النخالة، ينفع من الكلف والحكة والبثور الكائنة من سطح البدن إذا طلي به، وله قوة قابضة صابغة، وإذا شرب نفع من الوضح، ومقدار الشربة منه وزن درهم، وهو في مزاجه ومنافعه قريب من منافع القسط البحري، وإذا لطخ به على البهق والحكة والبثور والسفعة نفع منها، والثوب المصبوغ بالورد يقوى على الباه انتهى‏.‏ ‏(‏ويلد‏)‏ أي يلقي في الفم ‏(‏من الجانب الذي يشتكيه‏)‏ قال أبو عبيد عن الأصمعي‏:‏ اللدود ما يسقي الإنسان في أحد شقي الفم، أخذ من لديدي الوادي وهما جانباه، وأما الوجود فهو في وسط الفم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه ابن ماجة بلفظ‏:‏ نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذات الجنب ورساً وقسطاً وزيتاً يلد به ‏(‏وأبو عبد الله اسمه ميمون هو شيخ بصري‏)‏ قال في التقريب‏:‏ ميمون أبو عبد الله البصري مولى ابن سمرة ضعيف، وقيل اسم أبيه استاد وفرق بينهما ابن أبي حاتم من الرابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا رجاء بن محمد‏)‏ بن رجاء ‏(‏العذري‏)‏ بضم عين مهملة وسكون ذال معجمة، البصري السقطي، ثقة من الحادية عشرة كذا في التقريب، ووقع في النسخة الأحمدية العدوي بفتح عين ودال مهملتين وهو غلط ‏(‏حدثنا عمرو بن محمد بن أبي رزين‏)‏ بفتح راء وكسر زاي وسكون ياء وبنون الخزاعي مولاهم أبو عثمان البصري، صدوق ربما أخطأ من التاسعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتداوى من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت‏)‏ قال الحافظ ابن القيم‏:‏ ذات الجنب عند الأطباء نوعان حقيقي وغير حقيقي، فالحقيقي ورم حار يعرض في نواحي الجنب في الغشاء المستبطن للأضلاع، وغير الحقيقي ألم يشبهه يعرض في نواحي الجنب عن رياح غليظة مؤذية تحتقن بين الصفاقات فتحدث وجعاً قريباً من وجع ذات الجنب الحقيقي إلا أن الوجع في هذا القسم ممدود وفي الحقيقي ناخس‏:‏ قال‏:‏ ويلزم ذات الجنب الحقيقي خمسة أعراض وهي الحمى والسعال والوجع الناخس وضيق النفس والنبض المنشاري، والعلاج الموجود في الحديث ليس هو لهذا القسم، لكن للقسم الثاني الكائن عن الريح الغليظة، فإن القسط البحري وهو العود الهندي على ما جاء مفسراً في أحاديث آخر صنف من القسط إذا دق دقاً ناعماً وخلط بالزيت المسخن ودلك به مكان الريح المذكور أو لعق، كان دواء موافقاً لذلك نافعاً له محللاً لمادته مذهباً لها، مقوياً للأعضاء الباطنة مفتحاً للسدد، والعود المذكورة في منافعه كذلك‏.‏ قال المسيحي‏:‏ العود حار يابس قابض يحبس البطن ويقوي الأعضاء الباطنة ويطرد الريح ويفتح السدد، نافع من ذات الجنب، ويذهب فضل الرطوبة‏.‏ والعود المذكور جيد للدماغ قال‏:‏ ويجوز أن ينفع القسط من ذات الجنب الحقيقية أيضاً إذا كان حدوثها عن مادة بلغمية لا سيما في وقت انحطاط العلة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والحاكم بلفظ‏:‏ تداووا من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت المسخن ‏(‏وذات الحثب يعني السل‏)‏ كذا فسر الترمذي ذات الجنب بالسل‏.‏ وقال الجزري في النهاية‏:‏ ذات الجنب هي الدبيلة والدمل الكبيرة التي تظهر في باطن الجنب وتنفجر إلى داخل وقلما يسلم صاحبها‏.‏ وذو الجنب الذي يشتكي جنبه بسبب الدبيلة، إلا أن ذو للمذكر وذوات للمؤنث، وصارت ذات الجنب علماً لها وإن كانت في الأصل صفة مضافة‏.‏ والمجنوب الذي أخذته ذات الجنب، وقيل أراد بالمجنوب الذي يشتكي جنبه مطلقاً انتهى‏.‏ وقد عرفت ما ذكره ابن القيم في تفسير ذات الجنب، وكما تفسيرها بالسل فلم أر أحداً فسرها به غير الترمذي‏.‏ والسل بكسر العين وشدة اللام في اللغة‏:‏ الهزال، وفي الطب قرحة في الرئة، وإنما سمي المرض به لأن من لوازمه هزال البدن‏.‏ ولما كانت الحمى الدقية لازمة لهذه القرحة ذكر القرشي أن السل قرحة الرئة مع الدق وعده من الأمراض المركبة، كذا قال النفيس‏.‏ وقال القرشي في شرح الفصول‏:‏ يقال السل لحمى الدق ولدق الشيخوخة ولقرحة الرئة‏.‏

1381- باب

2102- حَدّثنا إِسْحَاقُ بنُ مُوسَى الأَنْصَارِيّ، حدثنا مَعْنٌ، حدثنا مَالِكٌ عن يَزِيدَ بنِ خُصَيْفَةَ عن عَمْرو بنِ عَبْدِ الله بنِ كَعْبٍ السّلميّ‏:‏ أَنّ نافِعَ بنَ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ أخْبَرَهُ عن عثمان بنِ أبي الْعَاصِ أنّهُ قال‏:‏ ‏"‏أتانيِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ امْسَحْ بِيَمِينَكَ سَبْعَ مَرّاتٍ وَقُلْ‏:‏ أَعُوذُ بِعِزّةِ الله وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، مِنْ شَرّ مَا أَجِدُ‏.‏ قالَ‏:‏ فَفَعَلْتُ فَأَذْهَبَ الله مَا كَانَ بِي، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ به أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن يزيد بن خصيفة‏)‏ هو يزيد بن عبد الله بن خصيفة، قال في التقريب‏:‏ يزيد بن عبد الله بن خصيفة بضم معجمة وفتح صاد مهملة وبفاء مصغراً ابن عبد الله بن يزيد الكندي المدني وقد ينسب لجده ثقة من الخامسة ‏(‏عن عمرو بن عبد الله بن كعب‏)‏ بن مالك الأنصاري السلمي المدني ثقة من السادسة قاله الحافظ في التقريب‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته‏:‏ روى عن نافع بن جبير بن مطعم، وعنه يزيد بن خصيفة، روى له الأربعة حديثاً واحداً وهو حديث عثمان بن أبي العاص في الدعاء انتهى ‏(‏عن عثمان بن أبي العاص‏)‏ الثقفي الطائفي صحابي شهير استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف ومات في خلافة معاوية بالبصرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وبي وجع قد كاد يهلكني‏)‏ ولمسلم وغيره من رواية الزهري عن نافع عن عثمان أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً يجده في جسده منذ أسلم ‏(‏امسح‏)‏ أي موضع الوجع ‏(‏بيمينك سبع مرات‏)‏‏.‏ وفي رواية مسلم‏:‏ فقال له ضع يدك على الذي يألم من جسدك‏.‏ وللطبراني والحاكم‏:‏ ضع يمينك على المكان الذي تشتكي فامسح بها سبع مرات ‏(‏وقل أعوذ بعزة الله وقدرته وسلطانه من شر ما أجد‏)‏ وفي رواية مسلم‏:‏ وقل بسم الله ثلاثاً، وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر‏.‏ وللترمذي في الدعوات وحسنه والحاكم وصححه عن محمد بن سالم قال قال لي ثابت البناني‏:‏ يا محمد إذا اشتكيت فضع يدك حيث تشتكي ثم قل بسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد من وجعي ثم ارفع يدك ثم أعد ذلك وتراً، قال فإن أنس بن مالك حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه بذلك ‏(‏قال‏)‏ أي عثمان ‏(‏ففعلت‏)‏ أي ما قال لي ‏(‏فأذهب الله ما كان بي‏)‏ أي من الوجع ‏(‏فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم‏)‏ لأنه من الأدوية الإلهية والطب النبوي، لما فيه من ذكر الله والتفويض إليه والاستعاذة بعزته وقدرته، وتكراره يكون أنجح وأبلغ كتكرار الدواء الطبيعي لاستقصاء إخراج المادة، وفي السبع خاصية لا توجد في غيرها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة‏.‏

1382- باب ما جَاءَ في السّنَا

سقط هذا الباب من بعض النسخ

2103- حَدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا محمدُ بنُ بَكْرٍ، حدثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بنُ جَعْفَرٍ، حدثني عُتْبَةُ بنُ عَبْدِ الله، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ‏"‏أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم سأَلَهَا بِمَا تَسْتَمْشِينَ‏؟‏ قالَتْ‏:‏ بالشّبْرُمِ، قالَ حَارّ جَارّ، قَالَتْ‏:‏ ثُمّ اسْتَمْشَيْتُ بالسّنَا، فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ لَوْ أَنّ شيئاً كانَ فِيِه شِفَاءٌ مِنَ المَوْتِ لَكَانَ في السّنَا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ‏.‏ يعني دَوَاءَ المشِيّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن بكر‏)‏ بن عثمان البرساني أبو عثمان البصري، صدوق يخطئ من التاسعة ‏(‏حدثنا عبد الحميد بن جعفر‏)‏ بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري، صدوق رمي بالقدر وربما وهم من السادسة ‏(‏حدثني عتبة بن عبد الله‏)‏ أو ابن عبيد الله، ويقال اسمه زرته بن عبد الرحمن، مجهول من السادسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بما تستمشين‏)‏ أي بأي دواء تستطلقين بطنك حتى يمشي ولا يصير بمنزلة الواقف فيؤذي باحتباس النجو، ولهذا سمي الدواء المسهل مشياً على وزن فعيل، وقيل لأن المسهول يكثر المشي والاختلاف للحاجة‏.‏ وقال الجزري في النهاية‏:‏ أي بما تسهلين بطنك، ويجوز أن يكون أراد المشي الذي يعرض عند شرب الدواء إلى المخرج انتهى‏.‏ ‏(‏قالت بالشبرم‏)‏ بضم شين معجمة فسكون موحدة وراء مضمومة وهو من جملة الأدوية اليتوعية، وهو قشر عرق شجرة وهو حار يابس في الدرجة الرابعة، وأجوده المائل إلى الحمرة الخفيف الرقيق الذي يشبه الجلد الملفوف‏.‏ وبالجملة فهو الأدوية التي أوصى الأطباء بترك استعمالها لخطرها وفرط إسهالها‏.‏ وقال الجزري في النهاية‏:‏ الشبرم حب يشبه الحمص يطبخ ويشرب ماؤه للتداوي، وقيل إنه نوع من الشبح انتهى‏.‏ ‏(‏قال حار‏)‏ بحاء مهملة وتشديد راء بينهما ألف ‏(‏جار‏)‏‏.‏ بالجيم قال الحافظ ابن القيم‏:‏ قوله صلى الله عليه وسلم حار جار، ويروى حار يار، قال أبو عبيد‏:‏ وأكثر كلامهم بالياء، قال وفيه قولان‏:‏ أحدهما أن الحار الجار بالجيم الشديد الاسهال، فوصفه بالحرارة وشدة الإسهال وكذلك هو ما قاله أبو حنيفة الدينوري‏.‏ والثاني وهو الصواب أن هذا من الإتباع الذي يقصد به تأكيد الأول ويكون بين التأكيد اللفظي والمعنوي، ولهذا يراعون فيه إتباعه في أكثر حروفه كقولهم حسن بسن، أي كامل الحسن، وقولهم‏:‏ حسن قسن بالقاف، ومنه شيطان ليطان، وحار جار مع أن الجار معنى آخر وهو الذي يجر الشيء الذي يصيبه من شدة حرارته وجذبه له كأنه ينزعه ويسلخه ويار إما لغة في جار كقولهم صهري وصهريج والصهاري والصهاريج وإما إتباع مستقل انتهى ‏(‏ثم استمشيت بالسنا‏)‏ فيه لغتان المد والقصر وهو نبت حجازي أفضله المكي وهو دواء شريف مأمون الغائلة قريب من الاعتدال حار يابس في الدرجة الأولى، يسهل الصفراء والسوداء ويقوي جرم القلب، وهذه فضيلة شريفة فيه، وخاصيته النفع من الوسواس السوداوي ومن الشقاق العارض في البدن، ويفتح العضل وانتشار الشعر، ومن القمل والصداع العتيق، والجرب والبثور والحكة والصرع، وشرب مائه مطبوخاً أصلح من شربه مدقوقاً، ومقدار الشربة منه إلى ثلاثة دراهم ومن مائه إلى خمسة دراهم، وإن طبخ معه شيء من زهر البنفسج والزبيب الأحمر المنزوع العجم كان أصلح ‏(‏فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ أي بعد ما سألني ثانياً أو حين ذكرت له من غير سؤال استعلاماً واستكشافاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه أحمد وابن ماجة والحاكم‏.‏ قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة عتبة بن عبد الله الراوي عن أسماء ما لفظه‏:‏ عتبة بن عبد الله ويقال ابن عبيد الله حجازي، روى عن أسماء بنت عميس حديثاً في الاستمشاء بالسنا، وعنه عبد الحميد بن جعفر، روى له الترمذي هذا الحديث الواحد، وقد رواه ابن ماجة من حديث عبد الحميد عن زرعة بن عبد الرحمن، عن مولى لمعمر التيمي عن أسماء، فيحتمل أن يكون هذا المبهم هو عتبة هذا، قال ليس هو المبهم، فإن كلام البخاري في تاريخه في ترجمة زرعة يقتضي أن زرعة هو عتبة المذكور، اختلف في اسمه على عبد الحميد، وعلى هذا فرواية الترمذي منقطعة لسقوط المولى منها انتهى‏.‏

1383- باب ما جاءَ في التّدَاوِي بِالْعَسَل

2104- حَدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ، عن أَبِي المُتَوَكّل عن أَبِي سَعِيدٍ قالَ‏:‏ ‏"‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ‏:‏ إِنّ أَخي اسْتُطْلِقَ بَطْنُهُ‏؟‏ فقالَ‏:‏ اسْقِهِ عَسَلاٍ، فَسَقَاهُ ثُمّ جَاءَ فقالَ‏:‏ يا رَسولَ الله قَدْ سَقَيْتُهُ عَسَلاً فَلَمْ يَزِدُهُ إِلاّ اسْتِطْلاَقاً‏؟‏ قالَ فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إِسْقِهِ عَسَلاً، قالَ‏:‏ فَسَقَاهُ، ثُمّ جَاءَهُ فقالَ‏:‏ يا رسولَ الله إِنّي قَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدُهُ إِلاّ اسْتِطْلاَقاً‏؟‏ قال‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ صَدَقَ الله وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك‏.‏ إِسْقِهِ عَسَلاً، فَسَقَاهُ عَسَلاً فَبَرَأَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي المتوكل‏)‏ اسمه علي بن داود الناجي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن أخي استطلق بطنه‏)‏ بضم المثناة وسكون الطاء المهملة وكسر اللام بعدها قاف أي كثر خروج ما فيه، يريد الإسهال، ووقع في رواية لمسلم‏:‏ إن أخي عرب بطنه وهي بالعين المهملة والراء المكسورة ثم الموحدة‏:‏ أي فسد هضمه لاعتلال المعدة، ومثله ذرب بالذال المعجمة بدل العين وزناً ومعنى ‏(‏فقال إسقه‏)‏ بكسر الهمزة ‏(‏عسلاً‏)‏ ظاهره الأمر بسقيه صرفاً ويحتمل أن يكون ممزوجاً ‏(‏صدق الله‏)‏ أي فيما قال‏:‏ فيه شفاء للناس، كذا قيل‏.‏ وقال ابن الملك أي كون شفاء ذلك البطن في شربه العسل قد أوحى إلي والله تعالى صادق فيه، وهذا التوجيه أولى مما قيل من أن المراد به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فيه شفاء للناس‏}‏ لأن الاَية لا تدل على أنه شفاء من كل داء، قال القاري‏:‏ ظاهره الإطلاق وإثبات الوحي يحتاج إلى دليل ‏(‏وكذب بطن أخيك‏)‏ قال الخطابي وغيره‏:‏ أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ، يقال‏:‏ كذب سمعك، أي زل فلم يدرك حقيقة ما قيل له، فمعنى كذب بطنه أي لم يصلح لقبول الشفاء بل زل عنه‏.‏

وقد اعترض بعد الملاحدة فقال‏:‏ العسل مسهل فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال‏؟‏

والجواب‏:‏ أن ذلك جهل من قائله، بل هو كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه‏}‏ فقد اتفق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه بأختلاف السن والعادة والزمان والغذاء المألوف والتدبير وقوة الطبيعة، وعلى أن الإسهال يحدث من أنواع منها الهيضة التي تنشأ عن تخمة، واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى مسهل معين اعينت ما دام بالعليل قوة، فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه عن تخمة أصابته فوصف له النبي صلى الله عليه وسلم العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء، لما في العسل من الجلاء ودفع الفضول التي تصيب المعدة من أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها، وللمعدة خمل كخمل المنشفة، فإن علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان ذواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط، ولا شيء في ذلك مثل العسل لا سيما إن مزج بالماء الحار، وإنما لم يفده في أول مرة لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية وإن جاوزه أوهى القوة وأحدث ضرراً آخر، فكأنه شرب منه أولاً مقداراً لا يفي بمقاومة الداء فأمر بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء برأ بإذن الله تعالى‏.‏ وفي قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ وكذب بطن أخيك إشارة إلى أن هذا الدواء نافع وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه، ولكن لكثرة المادة الفاسدة‏.‏ فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها، فكان كذلك وبرأ بإذن الله‏.‏

قال الحطابي‏:‏ والطب نوعان طب اليونان وهو قياسي، وطب العرب والهند وهو تجاربي، وكان أكثر ما يصفه النبي صلى الله عليه وسلم لمن يكون عليلاً على طريقة طب العرب، ومنه ما يكون مما أطلع عليه بالوحي‏.‏ وقد قال صاحب كتاب المائة في الطب‏:‏ إن العسل تارة يجري سريعاً إلى العروق وينفذ معه جل الغذاء ويدر البول فيكون قابضاً، وتارة يبقى في المعدة فيهيجها لذعها حتى يدفع الطعام ويسهل البطن فيكون مسهلاً، فإنكار وصفه المسهل مطلقاً قصور من المنكر‏.‏ وقال غيره‏:‏ طب النبي صلى الله عليه وسلممتيقن البرء لصدوره عن الوحي، وطب غيره أكثره حدس أو تجربة، وقد يتخلف الشفاء عن بعض ما يستعمل طب النبوة وذلك لمانع قام بالمستعمل من ضعف اعتقاد الشفاء به وتلقيه بالقبول‏.‏ وأظهر الأمثلة في ذلك القرآن الذي هو شفا لما في الصدور، ومع ذلك فقد لا يحصل لبعض الناس شفاء صدره لقصوره في الاعتقاد والتلقي بالقبول، بل لا يزيد المنافق إلا رجساً إلى رجسه ومرضاً إلى مرضه‏.‏ فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة‏.‏ كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا القلوب الطيبة، كذا في الفتح ‏(‏فسقاه فبرأ‏)‏ بفتح الراء والهمز بوزن قرأ وهي لغة أهل الحجاز وغيرهم يقولها بكسر الراء بوزن علم، وقد قع في رواية أبي الصديق الناجي في آخره‏:‏ فسقاه فعافاه الله، ذكره الحافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وغيرهما‏.‏

1384- باب

2105- حَدّثنا محمدُ بنُ المُثَنّى، حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شُعْبَةُ عن يَزِيدَ بنُ خَالِدٍ قالَ‏:‏ سَمِعْتُ المِنْهَالَ بنَ عَمْرٍو يُحَدّثُ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قالَ‏:‏ ‏"‏مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضاً لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَيَقُولُ سَبْعَ مَرّاتٍ‏:‏ أَسْأَلُ الله العَظِيمَ رَبّ الْعَرْشِ العَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ إِلاّ عُوفِيَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ‏.‏ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ المِنْهَالِ بنِ عَمْرٍو‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن يزيد أبي خالد‏)‏ قال في التقريب‏:‏ أبو خالد الدالاني الأسدي الكوفي اسمه يزيد بن عبد الرحمن صدوق يخطئ كثيراً‏.‏ وكان يدلس من السابعة انتهى‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته‏:‏ روى عن المنهال بن عمرو وغيره، وعنه شعبة وغيره ووقع في النسخة الأحمدية‏:‏ يزيد بن خالد وهو غلط ‏(‏سمعت المنهال ابن عمرو‏)‏ الأسدي مولاهم الكوفي، صدوق، ربما وهم من الخامسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما من عبد مسلم‏)‏ ما للنفي ومن زائدة ‏(‏يعود مريضاً‏)‏ وفي المشكاة‏:‏ ما من مسلم يعود مسلماً أي يزوره في مرضه ‏(‏لم يحضر أجله‏)‏ صفة مريض ‏(‏فيقول‏)‏ أي العائد ‏(‏أسأل الله العظيم‏)‏ أي في ذاته وصفاته ‏(‏أن يشفيك‏)‏ بفتح أوله مفعول ثان ‏(‏إلا عوفي‏)‏ وفي رواية أبي داود إلا عافاه من ذلك المرض‏.‏ والحصر غالبي أو مبني على شروط لا بد من تحققها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين‏.‏

1385- باب

2106- حَدّثنا أَحمدُ بنُ سَعِيدٍ الأَشْقَرُ المرابطيّ، حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، حدثنا مَرْزُوقٌ أَبُو عَبْدِ الله الشّامِيّ، حدثنا سَعِيدٌ- رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشّامِ- أخبرنا ثَوْبَانُ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ الْحُمّى، فَإِنّ الْحُمّى قِطْعَةٌ مِنَ النّارِ، فَلْيُطفِئُهَا عَنْهُ بالمَاءِ فَلْيَسْتَنْقِعْ في نَهْرٍ جَارٍ فَلْيَسْتَقْبِلْ جِرْيَتَهُ فَيَقُولُ‏:‏

بِسْمِ الله الّلهُمّ اشْفِ عَبْدَكَ وَصَدّقْ رَسُولَكَ بَعْدَ صَلاَةِ الصّبْحِ، وَقَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ، فَلْيَغْمِسْ فِيِه ثَلاَثَ غَمْسَاتٍ ثَلاَثَةَ أَيّامٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرأْ في ثَلاَثٍ فَخَمْسٌ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ في خَمْسٍ فَسَبْعٌ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ في سَبْعٍ، فَتِسْعٌ، فَإِنّهَا لا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعَاً بِإِذْنِ الله‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا مرزوق أبو عبد الله الشامي‏)‏ قال في التقريب‏:‏ مرزوق أبو عبد الله الحمصي تزل البصرة لابأس به من السادسة ‏(‏حدثنا سعيد- رجل من أهل الشام‏)‏ قال الحافظ في التقريب‏:‏ سعيد بن زرعة الحمصي الجرار بالجيم ومهملتين، الخزاف بمعجمة وزاي مستور من الثالثة انتهى‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته‏:‏ روى عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنه مرزوق أبو عبد الله الشامي والحسن بن همام‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات، له في الترمذي حديث واحد في استقبال الجرية للحمى انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا اصاب أحدكم الحمى‏)‏ أي أخذته ‏(‏فإن الحمى قطعة من النار‏)‏ أي لشدة ما يلقى المريض فيها من الحرارة الظاهرة والباطنة‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ جواب إذا فليعلم إنها كذلك ‏(‏فليطفها‏)‏ كذا في النسخ الموجودة بحذف الهمزة، والظاهر أن يكون فليطفئها بإثبات الهمزة، وكذلك في المشكاة‏.‏ وكذا في مسند أحمد ‏(‏عنه بالماء‏)‏ أي البارد، قال‏:‏ ويحتمل أن يكون الجواب فليطفئها، وقوله‏:‏ فإن الحمى معترضة ‏(‏فليستنقع في نهر جار‏)‏ بيان للإطفاء‏.‏ قال في القاموس‏:‏ استنقع في الغدير نزل واغتسل كأنه ثبت فيه ليتبرد انتهى ‏(‏فليستقبل جريته‏)‏ بكسر الجيم، قال الطيبي‏:‏ يقال ما أشد جرية هذا الماء بالكسر ‏(‏فيقول‏)‏ أي حال الاستقبال ‏(‏وصدق رسولك‏)‏ أي اجعل قوله هذا صادقاً بأن تشفيني، ذكره الطيبي ‏(‏بعد صلاة الصبح‏)‏ ظرف ليستنقع وكذا قوله ‏(‏قبل طلوع الشمس وليغمس‏)‏ بفتح الياء وكسر الميم ‏(‏فيه‏)‏ أي في النهر أو في مائه ‏(‏ثلاث غمسات‏)‏ بفتحتين ‏(‏ثلاثة أيام‏)‏ قال الطيبي‏:‏ قوله وليغمس بيان لقوله فليستنقع جيء به لتعلق المرات ‏(‏فإن لم يبرأ‏)‏ بفتح الراء ‏(‏في ثلاث‏)‏ أي ثلاث غمسات، أو في ثلاثة أيام ‏(‏فخمس‏)‏ بالرفع‏.‏ قال الطيبي‏:‏ أي فالأيام التي ينبغي أن ينغمس فيها خمس أو فالمرات انتهى ‏(‏فسبع‏)‏ بالرفع كما تقدم آنفاً ‏(‏فتسع‏)‏ كذلك ‏(‏فإنها‏)‏ أي الحمى ‏(‏لا تكاد‏)‏ أي تقرب ‏(‏تجاوز تسعاً‏)‏ أي بعد هذا العمل ‏(‏بإذن الله‏)‏ أي إرادته أو بأمره لها بالذهاب وعدم العود‏.‏ وقد تقدم الكلام فيما يتعلق بعلاج الحمى بالماء البارد في باب تبريد الحمى بالماء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه أحمد وابن أبي الدنيا وابن السني وأبو نعيم كذا في المرقاة‏.‏

1386- باب التّدَاوِي بِالرّمَاد

سقط هذا الباب من بعض النسخ

2107- حَدّثنا ابنُ أَبِي عُمَر، حدثنا سُفْيَانُ عن أَبِي حَازِمٍ، قالَ‏:‏ ‏"‏سُئِلَ سَهْلُ بنُ سَعْدٍ وَأَنَا أَسْمَعُ‏:‏ بِأَيّ شَيْءٍ دُووِيَ جُرْحُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقالَ‏:‏ مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنّي‏:‏ كَانَ عَلِيّ يأْتِي بالمَاءِ في تُرْسِهِ وفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْهُ الدّمَ، وَأُحْرِقَ لَهُ حَصِيرُ فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي حازم‏)‏ اسمه سلمة بن دينار‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏دووي‏)‏ بصيغة المجهول من المداوة ‏(‏فخشى‏)‏ بصيغة المجهول من باب نصر ‏(‏به جرحه‏)‏ أي أدخل في جرحه‏.‏ والحديث رواه الترمذي هكذا مختصراً وروى البخاري في كتاب الجهاد عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد وهو يسأل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان يسكب الماء وبما دووي، قال‏:‏ كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ تغسله وعلي يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها فألصقتها فاستمسك الدم، وكسرت رباعيته يومئذ وجرح وجهه وكسرت البيضة على رأسه، قال ابن بطال‏:‏ قد زعم أهل الطب أن الحصير كلها إذا أحرقت تبطل زيادة الدم بل الرماد كله كذلك لأن الرماد من شأنه القيض، ولهذا ترجم الترمذي لهذا الحديث التداوي بالرماد‏.‏ وقال المهلب‏:‏ فيه أن قطع الدم بالرماد كان معلوماً عندهم لا سيما إن كان الحصير من دبس السعد فهي معلومة بالقبض وطيب الرائحة، فالقبض يسد أفواه الجرح‏.‏ وطيب الرائحة يذهب بزهم الدم، وأما غسل الدم أولاً فينبغي أن يكون إذا كان الجرح غير غائر، وأما لو كان غائراً فلا يؤمن معه ضرر الماء إذا صب فيه وقال الموفق عبد اللطيف‏:‏ الرماد فيه تجفيف، وقلة لذع‏.‏ والمجفف إذا كان فيه قوة لذع ربما هيج الدم وجلب الورم‏.‏ ووقع عند ابن ماجة من وجه آخر عن سهل بن سعد أحرقت له حين لم يرقأ قطعة حصير خلق فوضعت رماده عليه فرقئ الكلم‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وغيرهما‏.‏

1387- باب

سقط لفظ الباب من بعض النسخ

2108- حَدّثنا عَبْدُ الله بنُ سَعِيدٍ الأشَجّ، حدثنا عُقْبَةُ بنُ خَالِدٍ السّكُولِيّ، عن مُوسَى بنِ محمدِ بنِ إِبْراهيمَ التّيْمِيّ، عن أَبِيِه عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ‏:‏ ‏"‏قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إِذَا دَخَلْتُمْ على المَرِيضِ فَنَفّسُوا لَهُ في أَجلِهِ فإِنّ ذَلِكَ لا يَرُدّ شيئاً وَيُطَيّبُ نَفْسَهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن موسى بن محمد بن إبراهيم‏)‏ بن الحارث التميمي المدني منكر الحديث من السادسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا دخلتم على المريض‏)‏ أي لعيادته ‏(‏فنفسوا له في أجله‏)‏ أي أذهبوا لحزنه فيما يتعلق بأجله بأن تقولوا لابأس طهور، أو يطول الله عمرك ويشفيك ويعافيك، أو وسعوا له في أجله فيتنفس عنه الكرب، والتنفيس التفريج‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ أي طمعوه في طول عمره واللام للتأكيد‏.‏ وقال في اللمعات‏:‏ التنفيس التفريج أي فرجوا له وأذهبوا كربه فيما يتعلق بأجله بأن تدعوا له بطول العمر وذهاب المرض، وأن تقولوا لابأس ولا تخف سيشفيك الله وليس مرضك صعباً وما أشبه ذلك، فإنه وإن لم يرد شيئاً من الموت المقدر ولا يطول عمره لكن يطيب نفسه ويفرجه، ويصير ذلك سبباً لانتعاش طبيعته وتقويتها ويضعف المرض انتهى ‏(‏فإن ذلك‏)‏ أي تنفيسكم له ‏(‏لا يرد شيئاً‏)‏ أي من القضاء والقدر ‏(‏ويطيب‏)‏ بالتشديد ‏(‏نفسه‏)‏ بالنصب على المفعولية، يعني لابأس عليكم بتنفيسكم له فإن ذلك التنفيس لا أثر له إلا في تطييب نفسه فلا يضركم ذلك، ومن ثم عدوا من آداب العيادة تشجيع العليل بلطيف المقال وحسن الحال‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه ابن ماجة، وفي سنده موسى بن محمد بن إبراهيم وهو منكر الحديث كما عرفت‏.‏